
مع استقبالنا لتقارير الربع الثاني من عام 2026 الخاصة بسوق المكاتب في الرياض، دعونا نستعرض ما حمله الربع الأول من عام 2026 لهذا القطاع. فقد أسهمت الأنشطة التجارية المكثفة والتحول الاقتصادي خلال الربع الأول، إلى جانب وجود أكثر من 780 مقرًا إقليميًا للشركات العالمية، في مواصلة تشكيل ملامح سوق المكاتب في الرياض. ولأول مرة منذ فترة طويلة، ارتفع معدل إشغال المكاتب من الفئة (A) بنسبة 0.5% ليصل إلى 98.5%.
من الناحية الفنية، فهذا يعني أن مساحات المكاتب من الفئة (A) لم تعد متوفرة في الرياض. وقد فرض الربع الأول ضغوطًا كبيرة على المعروض من المكاتب المتميزة. ولا تزال الرياض تتصدر من حيث معدلات الإشغال، تليها جدة والدمام بنسبة 94% و91% على التوالي. ويسير سوق المكاتب في الرياض على مسار نمو، إلا أن قلة من الناس تبدو منتبهة إلى الطلب القائم على المساحات المكتبية المتميزة، مع استمرار المزيد من الشركات العالمية في تأسيس مقارها الإقليمية في الرياض.
دعونا نتعمق في سوق المكاتب في الرياض خلال الربع الأول من عام 2026…
سوق المكاتب في الرياض خلال الربع الأول من عام 2026
إذا كنت ترغب في الحصول على عنوان مؤسسي مرموق في المملكة العربية السعودية في الوقت الحالي، فمن الأفضل أن تُحضر دفتر شيكاتك، وأفضل فريق تفاوض لديك، وربما كرة بلورية للتنبؤ بالمستقبل. فقد أصبح العثور على مساحة مكتبية متميزة في الرياض رسميًا أشبه بلعبة الكراسي الموسيقية على مستوى الشركات.
وبفضل الزخم الهائل الذي أحدثته رؤية السعودية 2030، إلى جانب التدفق المستمر لكبرى الشركات العالمية، يعمل سوق العقارات التجارية في العاصمة بأقصى طاقته. وتشير بيانات الربع الأول من عام 2026 إلى سوق لا يتمتع بالصحة فحسب، بل يشهد طلبًا يفوق قدرته الاستيعابية.
معضلة نسبة الـ 99% في سوق مكاتب الرياض
لنلقِ نظرة على الأرقام، فهي مذهلة بكل المقاييس. فوفقًا لأحدث تقارير السوق، استقر معدل إشغال المكاتب من الفئة (A) على مستوى مدينة الرياض عند نحو 99%. أما إذا كنت تبحث عن شواغر ضمن أفضل المساحات المكتبية على الإطلاق، فإن البيانات تشير إلى أن معدل الشواغر انخفض إلى 0.5% فقط، وهو مستوى بالغ الانخفاض. وبشكل فعلي، لم يعد هناك أي معروض من المساحات المكتبية المتميزة المتاحة.
فإذا رغبت شركة عالمية حديثة في استئجار مساحة متصلة تبلغ 2,000 متر مربع وجاهزة للاستخدام الفوري، فلن تجد ما تبحث عنه في الكتيبات التسويقية، بل ستعتمد على المعلومات غير المعلنة في السوق أو تحاول إقناع المستأجرين الحاليين بإعادة تأجير جزء من مساحاتهم. وقد أعادت هذه الندرة الهيكلية صياغة قواعد السوق بالكامل، لتنتقل قوة التفاوض بصورة كاملة إلى مُلاك العقارات.
تدفق المقرات الإقليمية وتأثيره المتسلسل
ما السبب وراء هذا الاكتظاظ في العاصمة؟ الإجابة تكمن في برنامج المقرات الإقليمية (RHQ). مع بداية هذا العام، نجحت أكثر من 780 شركة متعددة الجنسيات في تأسيس مقارها الإقليمية في المدينة، متجاوزةً باستمرار المستهدفات الحكومية الأصلية. ومع استمرار الشركات العالمية الكبرى في افتتاح مقار فعلية لها، أصبح الطلب على المساحات المكتبية عالية الجودة قوة دافعة لا تهدأ.
وقد أدى هذا الاختناق الحاد في أعلى مستويات السوق إلى ظهور تأثير اقتصادي لافت. فمع ندرة المكاتب من الفئة (A) إلى حد يكاد يجعلها غير موجودة، بدأ العديد من المستأجرين بالانتقال إلى المكاتب من الفئة (B). وقد أدى هذا التحول الناتج عن شح المعروض إلى تسارع أداء الأصول من الفئة (B)، حيث ارتفعت إيجاراتها بأكثر من 20% على أساس سنوي. وعندما تبدأ المساحات الثانوية في تحقيق أسعار كانت تُعد سابقًا حكرًا على العقارات الفاخرة، فهذا مؤشر واضح على أن السوق يعاني نقصًا حادًا في المساحات المكتبية.
إيجارات المكاتب مرتفعة… لكنها قابلة للتوقع
بطبيعة الحال، أدى هذا النقص في المعروض إلى دفع الأسعار نحو أعلى مستوياتها الدورية تاريخيًا. فقد تجاوزت إيجارات المساحات المكتبية المتميزة في مركز الملك عبدالله المالي (KAFD) حاجز 4,000 ريال سعودي للمتر المربع سنويًا. وعلى مستوى المدينة، استقرت متوسطات إيجارات المكاتب من الفئة (A) عند نحو 3,630 ريالًا سعوديًا للمتر المربع سنويًا.
ولحسن الحظ بالنسبة للمستأجرين، فقد ساهمت سياسة تثبيت الإيجارات لمدة خمس سنوات، التي تم تطبيقها مؤخرًا، في الحد من الارتفاعات المفرطة في الأسعار. ورغم استمرار الإيجارات عند مستويات مرتفعة للغاية، فإن السقف التنظيمي للأسعار منح المديرين الماليين في الشركات الدولية ما يبحثون عنه دائمًا، وهو القدرة على التنبؤ بالتكاليف. وأصبحت الإيجارات ترتفع بوتيرة فصلية أكثر اعتدالًا تبلغ نحو 1.0%، مما جنّب الشركات تقلبات حادة في تكاليف الإيجار كل ثلاثة أشهر.
الخلاصة…
يمكن اختصار قصة سوق المكاتب في الرياض خلال الربع الأول من عام 2026 في أربع كلمات: طلب لا يشبع، ومعروض محدود للغاية. ففي حين يتقدم العمل تدريجيًا في تطوير ما بين 700 ألف و900 ألف متر مربع من المساحات المكتبية الجديدة من الفئة (A) ضمن مشاريع بارزة مثل بوابة الدرعية ومدينة مسك، فإن انفراج السوق لن يتحقق بين ليلة وضحاها. فالطلب الهيكلي يواصل تجاوز وتيرة تنفيذ المشاريع الإنشائية. وتمثل هذه المعطيات بيئة استثمارية استثنائية للمستثمرين المؤسسيين والمطورين العقاريين، من حيث العوائد المحتملة. ومع بدء تطبيق اللوائح الجديدة في عام 2026، التي تتيح التملك المباشر للعقارات للأجانب، تراجعت حواجز الدخول إلى السوق بشكل كبير. ولم يسبق أن شهدت السوق فرصة أكثر جدوى وربحية لضخ رؤوس الأموال في المشهد العقاري التجاري في الرياض. فالمكاتب بانتظار شاغليها، والشركات تواصل التوافد، والمساحات الجديدة تنتظر من يبنيها

