إن إقرار قانون تملك واستثمار العقار لغير السعوديين في يوليو جاء مصحوبًا بعدد من المزايا. ومع ارتفاع الإيجارات بنسبة 16% في الرياض، بدأ قطاع العقارات الصناعية يشعر بالضغط في ظل ندرة المساحات المتاحة للشركات الراغبة في الاستثمار. وتشمل الأسماء الكبرى التي تزيد من حدة المنافسة على المساحات المحدودة شركات مثل Apple و Huawei و Shein.
وخلال النصف الأول من عام 2025، سجلت المملكة العربية السعودية إصدار 585 ترخيصًا صناعيًا جديدًا بلغت قيمتها الإجمالية 13.5 مليار ريال سعودي. كما يشهد السوق طلبًا قويًا على المرافق اللوجستية المتخصصة، مع اقتراب معدلات الإشغال من الحد الأقصى. وهذا ما يفسر سبب ارتفاع معدل النمو السنوي لإيجارات القطاع الصناعي في الربع الثاني من عام 2025 من 4.7% إلى 25%.
واليوم، نستعرض معًا موجة الارتفاع في الإيجارات الصناعية وسط شُحّ المساحات في السوق العقاري السعودي…
الارتفاع الحاد في الإيجارات الصناعية وسط ندرة المساحات في السعودية
في عالم العقارات الصناعية، لا وجود لعبارة “مساحة أكثر من اللازم”. والرياض مثال نموذجي على ذلك، إذ يشهد قطاع المستودعات هناك ما يشبه “الانفجار”. وتشير التقارير إلى أن إيجارات العقارات الصناعية واللوجستية في السعودية وصلت إلى مستويات قياسية، مع تنافس عمالقة التكنولوجيا والتجزئة العالميين على آخر الوحدات المتميزة في المملكة.
الطلب يصل إلى الذروة
إليك الصورة الحالية: خلال النصف الأول من عام 2025، تم تسليم أكثر من 1.3 مليون متر مربع من المساحات الجديدة للمستودعات في السعودية. ومع ذلك، بلغت نسبة الإشغال في الرياض 98%، بينما ارتفعت الإيجارات بنحو 16% على أساس سنوي لتصل إلى نحو 208 ريالات سعودية للمتر المربع.
وفي المراكز الرئيسية الأخرى:
– جدة: ارتفعت الإيجارات بحوالي 8%، مع إشغال يقارب 97%.
– الدمام: سجلت الإيجارات ارتفاعًا يقارب 9%، ومعدلات إشغال بنحو 96%.
ما الذي يقف وراء هذه القفزة؟ عاملان رئيسيان:
– شركات التكنولوجيا والتجارة الالكترونية العالمية مثل Apple و Huawei و Shein تؤسس أو توسّع مراكزها الإقليمية في الشرق الأوسط، والسعودية في قلب هذا التوجه.
– الطلب المتزايد على المرافق المتخصصة مثل المستودعات المجهزة للتبريد، والمستودعات المخصصة لمراكز البيانات، والمناطق اللوجستية المتكاملة، التي تتجاوز الطلب على المستودعات التقليدية.
فعلى سبيل المثال، أصبح “المنطقة اللوجستية المتكاملة الخاصة” الجديدة قرب مطار الملك سلمان الدولي نقطة جذب رئيسية للمستأجرين الدوليين.
وباختصار: العرض الحديث ذو المواصفات العالية نادر، وحتى عند ظهوره، يتم امتصاصه بسرعة.
العرض يتوسع… لكنه لا يزال غير كافٍ
من جانب العرض، الأرقام مشجعة. فقد ارتفع إجمالي المخزون من المستودعات في الرياض إلى نحو 28.9 مليون متر مربع، بينما بلغ إجمالي المساحات الصناعية حوالي 16.2 مليون متر مربع. ومع ذلك، وعلى الرغم من المشاريع الجديدة، فإن وتيرة الطلب تعني أن الزيادة الصافية في المساحات المتاحة للإيجار تبقى محدودة.
إضافةً إلى ذلك، تنفذ الحكومة إصلاحات استراتيجية، مثل القوانين التي تحد من احتكار الأراضي غير المطوّرة وتعزيز نظام إصدار التراخيص الصناعية. لكن المدهش هو أن كل هذه الجهود لم تلحق بعد بوتيرة الطلب المتزايد على التوسع داخل المملكة، مما يعني أن الندرة مستمرة، وأن نمو الإيجارات ما زال مستدامًا بدلًا من أن يتراجع.
التأثير على المُلّاك والمستأجرين والسوق
– بالنسبة للمُلّاك: إنها فترة ذهبية. فالعقارات الصناعية واللوجستية الحديثة في الرياض وجدة والدمام تحقق إيجارات متميزة. لم تعد هذه المستودعات تقليدية، بل أصبحت مجهزة بـ”أنظمة لوجستية متكاملة”، و”جاهزية تقنية”، و”سلاسل تبريد متطورة” وكل ذلك يجعلها تستحق إيجارات أعلى.
– بالنسبة للمستأجرين: المعركة على المساحات حقيقية. من يأتي متأخرًا متوقعًا دفع إيجارات العام الماضي، قد يفاجأ بأن “الموسيقى توقفت”. أمامهم ثلاثة خيارات: دفع المزيد، أو القبول بمساحة أقل مثالية، أو بناء منشأتهم الخاصة (ما يتطلب وقتًا وتكلفة أكبر). لذلك، يصبح التخطيط الاستراتيجي وسرعة التنفيذ عوامل حاسمة للمنافسة.
– أما بالنسبة للسوق الأوسع: فهذه الديناميكية تدعم الاستراتيجية الوطنية لتحويل المملكة إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي. إذ تستهدف زيادة مساهمة قطاع اللوجستيات في الناتج المحلي الإجمالي من 6% إلى 10%.
الارتفاع في الإيجارات يعد مؤشرًا قويًا على ثقة المستثمرين العالميين في رؤية السعودية وأنها ليست مجرد وعود على الورق.
لمحة خفيفة: المساحة هي الموضة الجديدة
لو شبّهنا سوق العقارات الصناعية في السعودية بشخص، فالمساحة اليوم أصبحت نجم الحفلة الذي يريد الجميع الجلوس بجانبه، وحين تظهر مساحة جديدة، تُختطف في دقائق. أما أسعار الإيجار؟ فهي أشبه بـ”تسعيرة أوبر وقت الذروة” في عالم العقارات باستثناء أنها لا تأتي مع زجاجة ماء مجانية في النهاية.
للمزيد اقرأ: أفضل الممارسات لإدارة الإيجارات في الرياض
خلاصة القول
إن موجة الارتفاع في الإيجارات الصناعية في السعودية ليست مؤقتة، بل نتيجة عوامل هيكلية مستمرة. الطلب من عمالقة التكنولوجيا والتجزئة شرس، والعرض رغم توسعه لا يزال مقيدًا في الأسواق الرئيسة. الإيجارات ترتفع، ومعدلات الإشغال تقترب من الامتلاء التام.
بالنسبة للمُلّاك، إنها فرصة ذهبية للاستفادة القصوى، وبالنسبة للمستأجرين، إشارة للتحرك بسرعة وبحكمة. أما للمملكة، فإن ازدهار سوق الإيجارات الصناعية واللوجستية يمثل دليلًا واضحًا على أن التحول المنشود ضمن رؤية السعودية 2030 يسير بخطى ثابتة.
وإذا كنت تأمل في العثور على مساحة منخفضة التكلفة في أحدث مناطق الرياض اللوجستية… فقد يكون الوقت قد تأخر قليلًا.