
شهدت المملكة العربية السعودية ابتكارًا وتطورًا سريعًا في قطاع العقارات. ومع زيادة مستويات الاتصال والترابط الرقمي التي تعمل المملكة على تحقيقها، يشهد قطاع التقنية العقارية (PropTech) تقدمًا ملحوظًا يسهم في رسم ملامح التحول في القطاع العقاري. وخلال خمس سنوات من النمو، بلغت قيمة سوق التقنية العقارية في المملكة العربية السعودية حاليًا 865 مليون دولار أمريكي. كما تُعد منصة عقارات (Aqarat.com)، التي تأسست في المملكة، واحدة من أبرز خمس منصات رائدة في مجال التقنية العقارية على مستوى الشرق الأوسط. ومع النمو السكاني الواعد والتوسع الحضري المتسارع، تتزايد الفرص أمام المبادرات القائمة على التقنية لدعم تطوير القطاع العقاري والارتقاء به.
التقدم في قطاع التقنية العقارية في الرياض
لم تعد الرياض مجرد عاصمة صحراوية تضم ناطحات سحاب لامعة، بل أصبحت بسرعة بمثابة مختبر لتقنيات العقارات (PropTech). وينبغي للمستثمرين الذين يبحثون عن فرص استثمارية عالية النمو أن يلتفتوا إلى هذه المدينة؛ إذ يشهد قطاعها العقاري تحولاً نحو الاعتماد على البيانات وأجهزة الاستشعار والمنصات الرقمية، التي تعد بتسريع الصفقات، وزيادة العوائد، وتحقيق كفاءة أعلى في إدارة الأصول العقارية.
في هذا المقال، نستعرض تطورات التقنية العقارية في الرياض…
لماذا تُعد الرياض بيئة محفزة لنمو التقنية العقارية؟
هناك عدة عوامل هيكلية تسرّع من تبني تقنيات العقارات في الرياض.
أولاً، تسهم الاستثمارات الحكومية الضخمة في إطار رؤية السعودية 2030 والمشاريع الكبرى، مثل مشروع نيوم، في توفير بيئات واقعية لاختبار تقنيات المباني الرقمية وخدمات المدن الذكية. كما عملت الجهات التنظيمية وهيئات التطوير بشكل فعّال على إنشاء بيئات تنظيمية تجريبية ومنصات تعاونية لاختبار الحلول الجديدة، مما يقلل من العقبات التنظيمية التي غالباً ما تعرقل تنفيذ المشاريع التجريبية في أسواق أخرى.
ثانياً، تتجه رؤوس الأموال نحو قطاع التقنية. فقد شهدت استثمارات رأس المال الجريء في السعودية ارتفاعاً خلال النصف الأول من عام 2025، كما أسهم نشاط التمويل في مختلف القطاعات في تعزيز شهية المخاطرة لدى منظومة الشركات الناشئة، وهو ما يشكل عاملاً داعماً لمؤسسي الشركات الناشئة في مجال التقنية العقارية، وللمستثمرين الراغبين في الدخول المبكر إلى قطاعات تقنيات البناء، ومنصات الوساطة العقارية، وأدوات تحسين كفاءة الطاقة.
ثالثاً، تدفع أساسيات السوق الملاك والمطورين العقاريين نحو التحول الرقمي؛ حيث إن ارتفاع الطلب على المساحات المكتبية، والنمو السريع في التمويل العقاري، وارتفاع قيمة العقارات في الرياض، كلها عوامل تخلق حوافز لتعزيز القيمة التشغيلية للأصول من خلال إنترنت الأشياء (IoT)، والصيانة التنبؤية، ومنصات تحسين تجربة المستأجرين.
أحدث التطورات والمؤشرات القابلة للقياس
تشير الدراسات السوقية ومؤشرات القطاع إلى مسار نمو واضح لسوق التقنية العقارية في المملكة العربية السعودية.
وتقدّر أبحاث السوق قيمة سوق التقنية العقارية في السعودية بنحو 1.5 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025، مع توقعات بتحقيق معدل نمو سنوي مركب من رقمين، يبلغ نحو 15% حتى نهاية العقد الحالي، وهو ما يعكس توسع تبني هذه التقنيات ونمو إيرادات الشركات المقدمة لخدماتها.
ويرتبط هذا النمو بالتوقعات التي تشير إلى توسع قطاع العقارات في المملكة بنسبة 8%.
وفي الوقت نفسه، بدأت شركات استشارية رائدة وفعاليات عالمية متخصصة في التقنية العقارية بنقل أنشطتها إلى الرياض، مما يعكس الاهتمام الحكومي بهذا القطاع وتزايد اهتمام المستثمرين الدوليين به.
كما تم تخصيص رؤوس أموال خاصة كبيرة للاستثمار في القطاع العقاري السكني والمشاريع الكبرى خلال العام الحالي، وهو ما يؤكد أن المنصات الرقمية التي تسرّع عمليات استقطاب الصفقات، والامتثال للمتطلبات التنظيمية، ومبيعات العقارات على الخارطة، يمكن أن تحقق فرصاً استثمارية ذات عوائد مرتفعة.
لماذا ينبغي للمستثمرين الاهتمام بهذا القطاع؟
تعدد فرص الدخول الاستثماري:
يمكن أن تستهدف استثمارات التقنية العقارية عدة مجالات، من بينها:
التقنية المالية المرتبطة بالعقارات، مثل التمويل العقاري والمدفوعات.
المنصات العقارية، مثل منصات إعادة البيع والتأجير.
تقنيات البناء، مثل البناء المعياري ونمذجة معلومات البناء (BIM).
تشغيل المباني وإدارتها، بما يشمل الطاقة والأمن والصيانة التنبؤية.
التوسع من خلال المشاريع الكبرى:
توفر المشاريع العملاقة فرصاً تجارية واسعة للشركات المقدمة للحلول التقنية، من خلال عقود كبيرة مع جهات أو عملاء رئيسيين، مثل تطبيقات إنترنت الأشياء على مستوى المدن، وتنفيذ تقنيات التوأم الرقمي (Digital Twin).
الدعم التنظيمي:
تعمل الهيئة العامة للعقار (REGA) وغيرها من الجهات المختصة على تنظيم القمم والفعاليات وإنشاء المراكز المتخصصة، بما يسهم في تقليل الوقت اللازم للوصول إلى السوق وتنفيذ المشاريع التجريبية والحصول على العقود.
المخاطر والعوامل التي يجب مراقبتها
لا يخلو أي سوق من المخاطر، فليس كل ما فيه يحمل فرصًا إيجابية. وتشمل أبرز المخاطر التغيرات التنظيمية في قواعد المشتريات وسياسات التملك، ومخاطر تركز التعاملات مع أطراف محددة، لا سيما عندما تعتمد الحلول على عدد محدود من عقود المشاريع الكبرى (Giga-Projects)، بالإضافة إلى مخاطر التنفيذ المرتبطة بتوسيع نطاق المشاريع التجريبية لتشمل مدنًا بأكملها.
كما ينبغي مراقبة التطورات الاقتصادية الكلية، مثل فرض ضوابط على الإيجارات أو حدوث تغييرات مفاجئة في السياسات، فضلًا عن التغيرات السريعة التي قد تطرأ على عوائد الأصول العقارية.
الخلاصة…
أصبح مشهد التقنية العقارية في الرياض ناضجاً بما يكفي لتوفير فرص استثمارية حقيقية، لكنه لا يزال في مرحلة مبكرة نسبياً تسمح بتحقيق عوائد استثمارية مرتفعة، شريطة اختيار المجال المناسب والشريك المحلي الملائم.
ومن الناحية العملية، يمكن اتباع النهج التالي:
1-إعطاء الأولوية للمنصات ذات الجدوى الاقتصادية المثبتة: والتركيز على الحلول التي أثبتت كفاءة نماذج أعمالها واقتصاديات وحداتها التشغيلية في الأصول العقارية القائمة.
2-البحث عن فرص الاستثمار المشترك: بالتعاون مع الصناديق الاستثمارية الإقليمية التي تمتلك خبرة في فهم آليات المشتريات والتعاقدات داخل المملكة العربية السعودية.
3-التأكيد على وجود بنود واضحة في العقود التجريبية: تضمن إمكانية تحويل المشاريع التجريبية بسرعة إلى عمليات توسع تشمل مواقع متعددة.
وبكل بساطة، فإن النجاح يتطلب إجراء العناية الواجبة، وبناء شراكات محلية قوية، والتحلي برؤية استثمارية طويلة الأجل… وربما لا مانع من اصطحاب قبعة للوقاية من أشعة الشمس!

