
خلال فصل الصيف,يبدو الوقوف في منتصف مدينة الرياض وكأنه تحدٍ لا نهاية ملحوظة له. وبالمثل، يقدّم الشتاء تجربة قارسة تذكّرك بالحاجة إلى الاستدامة في قطاع العقارات. إذا كنت مهتماً بالتغيير والتحول في قطاع العقارات، فأنت تعلم أن هناك مستقبلاً أفضل. يقودك ذلك إلى تخيّل مستقبل تضم فيه المدينة ملايين الأشجار المحلية، ومبانٍ تعتمد على توليد الطاقة ذاتياً، ومدينة أكثر برودة طوال الوقت. إن الاستدامة في قطاع العقارات السعودي مفهوم واسع يشمل جميع مبادئ الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG). في المملكة العربية السعودية، شكّلت مبادئ ESG مفتاحاً لجذب المستثمرين العالميين والاحتفاظ بهم. عقب إطلاق المبادرة السعودية الخضراء في عام 2024، استقبل قطاع العقارات السعودي استثمارات تجاوزت 186 مليار دولار في مسار النمو المستدام.
وهذا ليس سوى جزء من الدليل على أن الاستدامة في قطاع العقارات السعودي هي حلم قد حان وقته…
فيما يلي بعض العوامل التي تدفع الاستدامة في هذا القطاع.
رؤية 2030 تقود التنمية الخضراء
ترتبط دفعة الاستدامة في المملكة العربية السعودية ارتباطاً وثيقاً بـ رؤية السعودية 2030. إذ يضع برنامج التحول الوطني تركيزاً قوياً على المسؤولية البيئية والنمو الاقتصادي المستدام. ويلعب تطوير القطاع العقاري دوراً رئيسياً في تحقيق هذه الأهداف. ويجري إعادة تصميم المدن مع وضع الاستدامة في الاعتبار.
تعكس المشاريع الضخمة هذا الالتزام. فالتطويرات مثل نيوم تهدف إلى إنشاء مدن تعمل بالطاقة المتجددة والتقنية المتقدمة. ويركّز التصميم على سهولة المشي، والاستخدام الكفء للأراضي، وخفض انبعاثات الكربون.
وتضع هذه المبادرات معايير جديدة للمنطقة، كما ترسل إشارة إلى المستثمرين العالميين بأن المملكة العربية السعودية جادة في بناء مدن مستدامة.
اقرأ أيضاً : البناء الأخضر في السعودية والعقارات المستدامة.
معايير المباني الخضراء تكتسب اهتمامًا متزايدًا
تظهر الاستدامة في سوق العقارات السعودي أيضاً من خلال الاستخدام المتزايد لشهادات المباني الخضراء. أصبحت برامج مثل Wired Score أكثر شيوعاً في المشاريع التجارية والسكنية الجديدة.
تركّز المباني الخضراء على تقليل الأثر البيئي طوال دورة حياتها. فهي تستخدم أنظمة إضاءة موفرة للطاقة، وعزلاً متقدماً، وتقنيات ذكية للتحكم في المناخ. وتساعد هذه الميزات على خفض استهلاك الكهرباء وتقليل تكاليف التشغيل.
كما يستكشف المطورون أنظمة اعتماد محلية. وقد صُمّم برنامج مستدام (Mostadam) خصيصاً ليتناسب مع مناخ المملكة وممارسات البناء فيها. وهو يشجّع على استخدام المواد الصديقة للبيئة وأنظمة إدارة المياه بكفاءة.
وبالنسبة للمستثمرين، يعد هذا التوجه خبراً جيداً، إذ غالباً ما تتمتع المباني المستدامة بمعدلات إشغال أعلى وقيمة أصول أقوى على المدى الطويل.
المدن الذكية ودمج التقنية
تلعب التقنية دوراً مهماً في جعل العقارات في السعودية أكثر استدامة. إذ تساعد حلول المدن الذكية على تحسين الكفاءة مع تقليل الأثر البيئي. كما تدمج العديد من المشاريع الجديدة البنية التحتية الرقمية منذ البداية.
ومن الأمثلة على ذلك شبكات الطاقة الذكية. تعمل هذه الأنظمة على تحسين توزيع الكهرباء وتساعد على تقليل الهدر. كما تراقب المستشعرات المتقدمة أداء المباني في الوقت الفعلي، مما يمكّن مديري العقارات من تعديل الإضاءة ودرجة الحرارة واستخدام المياه بسرعة وفقاً للطلب.
وتُظهر مشاريع مثل مركز الملك عبدالله المالي كيف يمكن أن تعمل الاستدامة والتقنية معاً. إذ يستخدم الحي مباني موفرة للطاقة، وأنظمة نقل آلية، ومساحات عامة واسعة.
ويعيد هذا الدمج بين التقنية والاستدامة تشكيل طريقة عمل المدن، كما يخلق بيئات أكثر راحة للسكان والشركات.
جهود الحفاظ على المياه والطاقة
تواجه المملكة العربية السعودية تحديات بيئية فريدة. فدرجات الحرارة المرتفعة ومحدودية الموارد المائية الطبيعية تتطلب حلولاً مبتكرة في قطاع البناء.
ويولي المطورون الآن أولوية لتقنيات الحفاظ على المياه، بما في ذلك أنظمة السباكة منخفضة التدفق، وإعادة تدوير المياه الرمادية، وطرق الري الذكية. كما تتغير استراتيجيات تنسيق المواقع، حيث تحل النباتات المحلية التي تتطلب كميات قليلة من المياه محل المسطحات الخضراء التقليدية.
وتُعد كفاءة الطاقة مجال تركيز رئيسي آخر. فقد أصبحت تركيبات الطاقة الشمسية أكثر شيوعاً في المجمعات السكنية والمباني التجارية. كما أن وفرة أشعة الشمس في المملكة تجعل الطاقة المتجددة خياراً جذاباً لمطوري العقارات.
ولا تساهم هذه التحسينات في حماية الموارد الطبيعية فحسب، بل تساعد أيضاً في تقليل تكاليف التشغيل لمالكي العقارات.
مستقبل قوي للعقارات المستدامة
يرتبط مستقبل سوق العقارات في المملكة العربية السعودية ارتباطاً وثيقاً بالاستدامة. فسياسات الحكومة واهتمام المستثمرين والابتكار التقني تدفع جميعها القطاع في الاتجاه نفسه. ولم تعد المباني الخضراء مفهوماً متخصصاً، بل أصبحت تدريجياً المعيار الجديد.
وبالنسبة للمطورين والمستثمرين، توفر الاستدامة مزايا واضحة. إذ غالباً ما تجذب المشاريع المسؤولة بيئياً المستأجرين الدوليين ورؤوس الأموال المؤسسية، كما تتماشى مع التوقعات البيئية العالمية.
خلاصة القول…
لا تتعلق الاستدامة فقط بحماية البيئة، بل تتعلق أيضاً ببناء مدن تتسم بالكفاءة والجاذبية والقدرة التنافسية الاقتصادية. ويبدو أن قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية مستعد لتبنّي هذا التحدي. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد تصبح المملكة قريباً واحدة من أبرز النماذج الرائدة للتنمية الحضرية المستدامة في المنطقة.

