جلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قدراً كبيراً من السعادة والبهجة للكثيرين خلال زيارته للبيت الأبيض. عشّاق كرة القدم شعروا بأنهم ممثَّلون بوجود الأسطورة كريستيانو رونالدو على الطاولة، ومحبو التكنولوجيا رأوا ألونس يشعل الحماس، بينما وجد فريق “ماغا” في المشهد لمسات ودّية تعكس علاقة مميزة! أمّا نحن العاملين في القطاع العقاري، فلم يكن أمامنا سوى انتظار مناقشات الصفقات العقارية لنجد ما يستحق الابتسام. كان واضحاً أن هذه الزيارة ليست كغيرها. فمن مشهد السجادة الحمراء إلى لحظة ظهور المقاتلات، ثم العشاء الفاخر من النوع الذي تختار فيه أفضل الأطباق، وما إن تشعر بالشبع حتى تظهر أمامك مفاجأة جديدة على رأس الطاولة.
وما يلفت الانتباه أكثر هو مئات المليارات من الدولارات التي ستتدفق كاستثمارات سعودية جديدة بعد زيارة ولي العهد. فما الذي يعنيه ذلك لقطاع العقار؟
محادثات صفقات عقارية جديدة في البيت الأبيض
خلال زيارة الرئيس ترامب «التريليونية» للرياض، لمح جيري إنزيريلو، الرئيس التنفيذي لِـ”الدرعية”، إلى إمكانية إبرام صفقة مع منظمة ترامب في المستقبل القريب. ويُتوقع أن يكون مشروع تحويل الدرعية إلى وجهة فاخرة عالمية أحد أبرز الملفات المطروحة للنقاش العقاري. وقد يُضاف ذلك إلى حزمة الصفقات العقارية التي تم الترتيب لها خلال الزيارة السابقة، عندما التقى “الشقيقان من قارتين مختلفتين”. وربما تتذكرين مشروع برج ترامب المخطط له في جدة، إضافة إلى المشروعين في الرياض المُعلَن عنهما من قِبل “دار غلوبال”.
هذه المرة، ننتظر بترقّب تفاصيل الصفقة. نحن نعلم مسبقاً أن الضيف الرفيع في المكتب البيضاوي أعلن عن رفع قيمة الاستثمارات من 600 مليار دولار إلى تريليون دولار، وهو ما سيعود بالنفع على الشركات الأميركية. وسيستغرق الأمر بعض الوقت لمعرفة كيف سيعيد البيت الأبيض النظر في التزاماته الاستثمارية داخل السعودية خصوصاً في سوق العقار.
لماذا أصبحت السعودية وجهة عقارية رئيسية للمستثمرين الأميركيين؟
لطالما بحث المستثمرون الأميركيون عن أسواق عقارية عالية النمو خارج حدودهم، وتبرز السعودية اليوم كإحدى أكثر الوجهات جذباً. ولا دليل أوضح على ذلك من توقيع صفقات بقيمة 43 مليار دولار في اليوم الأول من سيتي سكيب غلوبال 2025. ومع الإصلاحات الكبرى ضمن رؤية 2030، واتساع نطاق الملكية للأجانب، والنمو المتسارع للبنية التحتية، تقدّم المملكة فرصاً فريدة لتحقيق نمو في رأس المال وعوائد استثمارية قوية.
إصلاحات استراتيجية وتوسّع في ملكية الأجانب
في ظل رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد، خففت السعودية القيود لتمكين الأجانب من امتلاك العقار في مناطق ومشاريع محددة. كما أتاح قانون عقاري محوري صدر عام 2025 للأجانب تملك العقارات بشكل مباشر، بما في ذلك التطويرات ضمن نيوم، والبحر الأحمر، ومشاريع الـ”غيغا” الأخرى. وفي الوقت ذاته، يمنح برنامج الإقامة المميزة خيار الإقامة طويلة الأمد للمستثمرين الأثرياء وهو ما يجذب المستثمر الأميركي الذي يبحث عن استقرار وقاعدة إقليمية.
عوائد مرتفعة وإمكانات نمو لرأس المال
يحقق العقار السعودي حالياً عوائد مميزة؛ إذ تُقدّر العوائد الإيجارية في الرياض بـ8–9% تقريباً، وفي جدة بنحو 8%، وهي أرقام منافسة عالمياً. وبالتزامن مع ذلك، تدعم الإصلاحات الهيكلية والمنصات الرقمية الشفافة ارتفاع قيمة الأصول. فبين 2019 و2024، ارتفعت أسعار الفلل في بعض المناطق المميزة بشكل لافت.
مشاريع ضخمة ورياح داعمة من رؤية 2030
رؤية 2030 ليست مجرد شعارات؛ إنها تحرك طفرة حقيقية في البناء والعقار. فالدولة تضخ مبالغ هائلة في مشاريع عملاقة مثل نيوم، القدية، مشروع البحر الأحمر، والدرعية، ما يرفع الطلب على العقارات السكنية والفندقية والتجارية. وتشير البيانات الأخيرة إلى أن إجمالي الصفقات العقارية بلغ 2.5 تريليون ريال (نحو 666 مليار دولار) في 2024، ما يعكس عمق السوق وقوته.
سكان شباب وتوسع عمراني
تضم السعودية فئة سكانية شابة، إذ يشكل من هم دون الـ35 نسبة كبيرة من المجتمع. ويساهم توسع المدن الكبرى مثل الرياض وجدة والدمام في زيادة الطلب السكني، فيما تدعم مشاريع البنية التحتية كمترو الرياض وتحديث شبكات النقل النمو العقاري.
تنويع عبر صناديق الريت والتجزئة الرقمية
للمستثمر الأميركي الذي لا يرغب بإدارة عقارات بشكل مباشر، يواصل سوق صناديق الريت في السعودية نضجه. كما يكتسب “ترميز” الأصول العقارية عبر البلوكشين زخماً، حيث أُعلن مؤخراً عن صفقة تمكّن المستثمرين من امتلاك حصص مجزأة من العقارات، مما يفتح الباب أمام المستثمرين الصغار للدخول للسوق.
حوافز تنظيمية وضريبية قوية
تعمل السعودية على تحسين الأنظمة لرفع ثقة المستثمرين. فـ”هيئة العقار” تطلق سجلات ملكية رقمية، وحسابات ضمان، وإجراءات مبسطة تقلّل المخاطر وتُسرّع الصفقات. وفي الوقت ذاته، لا توجد ضرائب دخل أو أرباح رأسمالية على الإيجارات للمستثمرين الأجانب، مما يزيد من جاذبية العوائد.
مرونة ورؤية طويلة الأمد
رغم التقلبات الجيوسياسية في المنطقة، أظهر السوق العقاري السعودي مرونة لافتة. والتزام المملكة بالتنويع والبنية التحتية والنمو المنظم يجعل الاستثمار فيها رهاناً هيكلياً طويل الأمد، لا مجرد دورة قصيرة.
الخلاصة
تذكّرنا زيارة ولي العهد السعودي للبيت الأبيض بعمق الروابط الاقتصادية الممكنة بين البلدين. وبالنسبة للمستثمرين الأميركيين، تقدم السعودية مزيجاً نادراً من العوائد المرتفعة، والوضوح القانوني، وإمكانات النمو الطويلة. ومع تسارع التحولات ضمن رؤية 2030، أصبح الاستثمار العقاري ركيزة أساسية لرأس المال العالمي. وبوجود عوامل تنظيمية داعمة وأسس اقتصادية قوية، تبدو السعودية واحدة من أكثر أسواق العقار إثارة خلال هذا العقد.